طه عبد الرحمن

19

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

هذين التعريفين من تكلّف ، فالتفريق بين اسم " الخير " ونعت " الخيّر " وكذا بين اسم " الشر " ونعت " الشرّير " تفريق لا يستسيغه الطبع ولا تطيقه السليقة اللغوية . وقريب من هذا ما يدعيه الرابع ، إذ يرى هو أيضا أن " elarOM " هي دائرة التأمل التي تنظر في مسألة الخير والشر من زاوية ما يجب أن يكون ، بينما " euqihtE " هي دائرة التأمل التي تنظر في مسألة الخلاص ، أي مسألة المصير النهائي للحياة الإنسانية ؛ إلا أنه لا يلبث أن يشير إلى أن كل الفروق الموجودة بين هذين المفهومين لا تعدو كونها مواضعات ، ما دام هذان اللفظان لا يختلفان إلا في مدلولهما اللغوي الأصلي ، مما يشعر بأن المفهومين المذكورين ليس أحدهما أولى من الآخر بالمعنى الذي وضع له « 15 » . ويرجع مجمل هذه المواقف المأخوذة من النظرة الأخلاقية ل " كانط " إلى التفريق بين سؤالين اثنين ، أحدهما هو : " ما ذا يجب أن أفعل ؟ " والآخر هو : " كيف أحيا ؟ " ، على اعتبار أن الجواب على السؤال الأول منهما يفضي إلى تقرير أخلاق موجّهة إلى الجميع وأن الجواب على الثاني يفضي إلى تقرير أخلاق موجّهة إلى كل فرد فرد ؛ لكن هذا التفريق ينبني على افتراضين كلاهما باطل ، أولهما ، التوجيه إلى الناس جميعا شيء والتوجيه إلى كل واحد منهم شيء آخر ؛ والثاني أن " طريقة الحياة " شيء و " الامتثال للواجب " شيء آخر . وبيان بطلان الافتراض الأول أن التوجيهين المذكورين لا يختلفان إلا في كون الأول يتعلق بالكل على جهة التجميع ، أي باعتباره جملة واحدة ، والثاني يتعلق به على جهة التوزيع ، أي باعتباره آحادا كثيرة ، فيكون الادعاء بأن " euqihtE " موجّهة إلى كل شخص شخص لا يورثها صفة الخصوصية ولا ينزع عنها صفة الشمولية ؛ وإذا صح هذا ، صح معه أيضا أن الأخلاق كلها موجبات عملية كلية ، منها ما له تعلق ب " طريقة الحياة " ومنها ما له تعلق ب " الامتثال للواجب " . أما الافتراض الثاني الذي يقيم فصلا بين " طريقة الحياة " و " الامتثال للواجب " ، فوجه بطلانه أن الإنسان قد يجد طريقه في الحياة بالتصرف وفق ما تمليه عليه واجباته والتزاماته وما تعطيه له حقوقه وحظوظه ، فلا تعارض إذن بين الحياة الطيبة والطاعة المختارة ؛ بل قد يوجد من الناس من يصير عنده الامتثال للأوامر

--> ( 15 ) انظر نفس المصدر ، ص . 222 .